آفاق في السلوك التنظيمي     

هل للمنظمات سلوك كما للإنسان؟

د. عبدالله البريدي 

 

السلوك بين الإنسان والمنظمة

الإنسان في حقيقة الأمر هو مجموعة من العادات التي تصنع سلوكه وترسم صورة نمطية له في أذهاننا ... أليس كذلك ...فإن كان سلوكه بالجملة جيداً بادرنا بالحكم عليه بأنه إنسان "طيب" أو "صالح" أو "منتج" أو نحو ذلك والعكس بالعكس... هذا شيء نسلم به في عالم البشر ... لكن كيف نتخيل أن للمنظمات المختلفة سلوكاً... هل ثمة سلوك مميز ممثلاً بالصورة ذهنية التي تقفز إلى أذهاننا إذا تذكرنا – مثلاً - كلاً من البلدية ومراكز الشرطة والمحاكم والجمعيات الخيرية ومعهد الإدارة وشركة الاتصالات وشركة الكهرباء والمستشفى الحكومي والمستشفى الخاص والكليات التقنية وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن..؟  

 تطور الفكر الإداري من "التقليدي" إلى "السلوكي"

نظراً لأهمية المنظمات في حياة البشر، تراكمت المحاولات البحثية الرامية لرفع مستوى الأداء والفعالية والربحية في المنظمات، واختلفت الفلسفات أو المداخل لتحقيق ذلك الهدف، فبدأت محاولات رواد الإدارة بحركة المدرسة الكلاسيكية والتي من أبرزها حركة "الإدارة العلمية" - من خلال رائدها فردريك تايلور - التي ركزت على جانب "العمليات" في المنظمة ولم تعط الجانب الإنساني ما يستحق من العناية، الأمر الذي جعل بعض الباحثين يؤكدون على أهمية العلاقات الإنسانية في العمل، فنشأت حركة "العلاقات الإنسانية" – ورائدها التون مايو – والتي انطلقت من "إنسانية" العمل والإنتاج ومن أن الإنسان كائن اجتماعي يسعى إلى التعاون وتقديم أفضل ما لديه في حالة إشباع "إنسانيته" وذلك بمراعاة مشاعره ودوافعه وحاجاته وقيمه الاجتماعية وتحقيق ذاته.

كانت حركة العلاقات الإنسانية – إجمالاً - بمثابة شرارة الانطلاقة نحو التفطن إلى أن المنظمة "كائن اجتماعي"، بحكم انطوائها على مجموعة من البشر لهم دوافعهم وحاجاتهم وثقافتهم، ومن ثم نشأت مدرسة "السلوك التنظيمي" في الإدارة والتي دشنت طريقة جديدة في "التفكير الإداري" يتوجه إلى دراسة وفهم والتنبؤ والرقابة على السلوك الإنساني داخل المنظمات، أي أنه يمكن القول بأن السلوك التنظيمي يهتم بدراسة سلوك الأفراد والجماعات داخل المنظمة، وذلك بفهم اتجاهات الناس وإدراكهم وقدراتهم ومهاراتهم وأهدافهم ودوافعهم.

ما هو السلوك التنظيمي وما هي موضوعاته؟

السلوك التنظيمي حقل معرفي يتبنى المنهج العلمي بغية فهم وتفكيك السلوك الإنساني داخل المنظمات ومن ثم القدرة على تعديل أو تغيير سلوك المنظمة، ويستفيد السلوك التنظيمي من علوم النفس والاجتماع والانثربولوجيا والسياسية. ويتناول السلوك التنظيمي عدة موضوعات هامة، وهذه الموضوعات - إجمالاً - ستكون هي مادة هذا العمود مع قرائنا الكرام. هذه الموضوعات تشمل قائمة طويلة من أهمها الآتي:

الشخصية – الإدراك – الاتجاهات – الدافعية – التعلم - القيادة – الإبداع – ثقافة المنظمة (الثقافة التنظيمية) – ديناميكية الجماعات – الصراع التنظيمي – الاتصال – ضغوط العمل – التغيير والتطوير التنظيمي.

ماذا ستقرأ في آفاق في السلوك التنظيمي؟

أرجو ألا تكون قارئي الكريم قد أصبت بصداع نصفي من جراء تتبعك لموضوعات السلوك التنظيمي المتداخلة وتلك العناوين الضخمة، وتشعر بأن القضية معقدة للغاية، هي بالفعل كذلك (؟)، ومن هنا تجيء هذه زاوية آفاق لكي تعمل على إعادة إنتاج وتعليب المواد العلمية بصورة قابلة للهضم المعرفي والمنهجي للقارئ غير المتخصص. وهنا أشير إلى أن هذه الزاوية ستوجه بشكل رئيس إلى شريحة المعنيين بالإدارة بجانبها العملي، لاسيما أولئك النابهين الذين يحرصون على تتبع المنهج العلمي الحديث في الإدارة والقيادة، وسأعمل جاهداً على تطعيم مقالاتي ببعض الأبحاث العلمية دون إثقال "بهارات علمية"، وسأختمها بحكمة أو شعار في مجال السلوك التنظيمي.

كما سيتوجه الطرح إلى التطبيقات العملية من خلال ملامسة شفافة لواقع السلوك التنظيمي في منظماتنا العربية – وخصوصاً السعودية – الحكومية والخاصة من أجل لفت انتباه العاملين فيها وخصوصاً الإدارة العليا إلى بعض القضايا التي تستحق وقفة تصحيحية جادة وربما عاجلة!

ما هو موضوع مقالاتنا القادمة

سيكون الموضوع الأول الذي ارتأيت البدء به هو موضوع "الثقافة التنظيمية" وذلك لأهميته الكبيرة لمنظماتنا العربية من جهة ولعدم طرحه من جهة ثانية من قبل المتخصصين بصورة كافية، مما يجعل الحاجة له ماسة، لاسيما في عصر يصنع "الثقافات" ويعلبها ويصدرها بقوالب متجددة – ترغيباً وترهيباً - وبسرعة مذهلة !!

وقد يكون من الضروري في بداية هذه الزاوية التأكيد على ترحيبي ”الحار" بآراء واقتراحات ونقد الأخوة والأخوات القراء تجاه ما يرونه إيجابياً أو سلبياً... فيما أطرح وما لا أطرح! 

 

المصدر: مجلة التدريب والتقنية، الرياض: المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، العدد 70، ديسمبر، 2004م

 

 


التعليقات (1)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق

بواسطة مدوري نورالدين :

مقالاتك جميلة جدا ، وأفكار تصب في لب وجوهر موضوع الثقافة التنظيمية .
أنا أعمل في بحث موضوع بعنوان أثر عوامل الثقافة التنظيمية على تطبيق إدارة المعرفة في المؤسسة الجزائرية .
فأريد المساعدة وتزويد بما يساعدني في إجراء دراسة وبحث علمي قيم
وشكرا تقبلوا مني فائق التقدير والاحترام


أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: