(الخيرة خفية) عند الشعوب الأخرى؟

                                                                                                                               د. عبدالله البريدي

الكتاب: جغرافية الفكر - كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف.. ولماذا؟

المؤلف: ريتشارد نيسبت Richard Nisbett،

ترجمة شوقي جلال.

الناشر: عالم المعرفة، عدد 312،2005م

 

 

هرب حصان الفلاح العجوز فتوافد عليه أهل القرية لمواساته، فقال الفلاح رافضاً مواساتهم: (من يعرف منا أين الخير وأين الشر؟)، وبعد أيام رجع حصانه وقد جلب معه حصاناً برياً؛ فتوافد القوم مرة أخرى لتهنئته، فرفض التهنئة مكرراً عليهم مقولته السابقة، ولم يمض سوى أيام معدودة حتى كسرت قدم ابن الفلاح لأنه حاول ركوب الخيل البري، فجاء الناس يعزونه فرفض العزاء أيضا لذات السبب وأسمعهم نفس المقولة، وبعد عدة أسابيع جاء رجال الجيش لتجنيد جميع القادرين من الشباب إجبارياً لخوض حرب، ونظراً لأن الابن غير لائق للخدمة فقد أعفي منها، عن ولده لعدم مقدرته، وتمضي القصة في نفس السياق... قد يظن بعضهم بأن تلك القصة مأخوذة من تراثنا العربي، ولكن الحقيقة غير ذلك، فهي قصة صينية قديمة لا تزال شائعة في (ثقافة) شرق آسيا... وفيها دلالة على أن هنالك قواسم مشتركة فيما بيننا وبينهم كمسألة (الخيرة خفية) كما نقول، وهذه القصة تحكي طريقة تفكير أولئك البشر، حيث يؤمنون بأن الحياة دائمة التغير وهي مليئة بالمتناقضات...

سقت تلك القصة في سياق أسئلة أعتقد أنها تخطر على بالنا كثيراً: هل تفكر الشعوب بطريقة مختلفة؟ وكيف؟ وإن كان ذلك صحيحاً: فلماذا تختلف الشعوب في التفكير؟

تلك الأسئلة يجيب عنها (ريتشارد نسيبت) في كتابه القيّم (جغرافية الفكر)، وهو يعمل أستاذاً لعلم النفس في جامعة ييل، ويدرّس في جامعة ميتشيجان، وحاصل على عدد من الجوائز، ولكن هل تدرون ما السبب في تأليفه لهذا الكتاب؟

يخبرنا المؤلف بأن ذلك يعود إلى أن طالباً صينياً نابهاً لديه قال له ذات يوم وهما يسيران: (هل تعرف أن الفارق بيني وبينك أنني أرى العالم دائرة وأنت تراه مستقيماً)، ثم استطرد الطالب الصيني بالقول: (يؤمن الصينيون بالتغير المطرد أبداً، ولكن مع إيمان بأن الأشياء دائماً تتحرك مرتدة إلى حالة ما كانت في البدء. أنهم يولون اهتمامهم لنطاق واسع من الأحداث، يبحثون عن العلاقات بين الأشياء، ويظنون ألا سبيل إلى فهم الجزء من دون فهم الكل. هذا بينما يعيش الغربيون في عالم أبسط حالاً وأقل خضوعاً للحتمية؛ إنهم يركزون انتباههم على موضوعات أو أناس لهم وجودهم الفردي البارز دون الصورة الأكبر؛ ويظنون أن في وسعهم التحكم في الأحداث لأنهم يعرفون القواعد والقوانين الحاكمة لسلوك الأشياء) (ص 15), وبعد هذه الملاحظة (المستفزة) من (الطالب) شكّك (الأستاذ) في البداية في صحتها، غير أنه رجع إلى دراسة المسألة بشكل منهجي؛ فانكب على القراءة التحليلية والاطلاع على الدراسات المقارنة، ثم قرر أن يتحفنا بهذا الكتاب النفيس!

يحلل الكتاب بطريقة منهجية سلسة كيف يفكر الغربيون وكيف يكفر الآسيويون - في شرق آسيا تحديداً - ولماذا يختلفون في طريقة تفكيرهم، فعمد في البداية - وحسناً فعل - إلى تقصي طبيعة التفكير الفلسفي لدي الغربيين ولدى الصينيين، حيث حلل الفلسفة الإغريقية وحدد بعض السمات التي صبغت التفكير الغربي، كما استعرض الفلسفة الصينية القديمة وما انطوت عليه من خصائص فريدة، ومن ذلك أن الإغريق ركزوا على (الفعالية الشخصية) في دائرة من (التنظير) و(الجدل اللفظي) التي تقوم على أن العالم أساسه (سكوني) وهو مكون من أجزاء مستقلة؛ في حين أن الصينيين ركزوا على (التناغم مع الجماعة) مع التركيز على (الممارسة العملية) في ضوء الإيمان بأن العالم يتغير بشكل دائم وهو مؤسس من تكوينات متداخلة؛ مع ضعف في (الفضول المعرفي). وفي المقال القادم نواصل وقفتنا مع هذا الكتاب.

 المصدر: جريدة الجزيرة، 25/10/2009


التعليقات (0)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق
لم يتم إضافة تعليقات بعد، كّن اول من يعلق على هذا المحتوى عن طريق النموذج بالأسفل.

أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: