محمد شحرور بوصفه "نبياً"!

أ.د. عبدالله البريدي

14 شوال 1439 – 28 يونيو 2018

 

 

سألني البعض عن رأيي في طروحات الدكتور محمد شحرور، فأجبتهم بقالب مختصر جداً، وقد رأيت أن أفصح عنه في هذه المقالة الصغيرة. في البداية، أنبه إلى أنني لا أقدّم رداً منهجياً تفصيلياً حيال طروحات الدكتور شحرور، وإنما هو رد بـ "المجمل المنهجي"، فذاك هو ما يتناسب مع المقام بأكثر من وجه (طبيعة طروحاته من جهة وطلب الاختصار في الإجابة من جهة ثانية)، مبتعداً عن المصطلحات الفلسفية أو المنهجية المعقدة.

هنالك عدة جوانب، يتوجب أن نضعها في قالب المقدمات، لكي نتمكن من الوصول إلى النتيجة المطلوبة، ولعل من أهمها:

·       الدكتور شحرور يمتلك بعض الأدوات اللغوية والمنهجية، ولديه قدرة على طرح أسئلة ذكية وإبراز إشكاليات مهمة في جوانب "قد" تحتاج إلى اجتهادات عصرية. كما أنه لمّاح في التقاط بعض المعاني الظريفة حول بعض المسائل وفي طرحها أيضاً، بجانب أداة تحليل ذات بعد منطقي (نظراً لخلفيته الهندسية). وما سبق لا يعني البتة  أن عتاده اللغوي والمنهجي دقيق أو مكتمل أو ناضج أو عميق، كلا فهو بخلاف ذلك (لا مجال للتفصيل في هذا، وقد تتضح بعض المعالم فيما نذكره من نقاط وحيثيات، وإن بشكل غير مباشر).

·       يتوسل الدكتور شحرور بـ "منهج لغوي" - كما يقول هو - في تحليل النص القرآني، ليقدم ما يعده هو: "قراءة معاصرة" للقرآن الكريم، مقرراً بأنه "لا يُفهم أي نص لغوي إلا على نحو يقتضيه العقل"، مشيراً إلى حتمية تأويل النص القرآني ليكون صالحاً لكل زمان ومكان (كما قال في كتابه المعنون بـ "الكتاب والقرآن": بحيث يبقى النص ثابتاً، ويطابق المحتوى الأرضيات المعرفية المتغيرة والمتطورة للناس مع تطور الزمن إلى أن تقوم الساعة).

·       من جهة أخرى،  تؤكد المناهج التأويلية الحديثة (الهيرمينوطيقا) على أن قراءة النص إنما هي تأويلية تفسيرية اجتهادية، وليس ثمة دليل بشكل قاطع على صحة هذه القراءة أو تلك، على أنها تتفاضل فيما بينها بحسب عمق المنهجية التأويلية المستخدمة والصرامة والدقة والأمانة في تطبيقها.

أخذاً في الاعتبار كل ما سبق، ما أبرز سمات طروحات الدكتور شحرور في هذا الخصوص؟ 

هنا نأتي لبيت القصيد: بالإطلاع على بعض نتاجه والاستماع إلى عدد من حواراته المتلفزة، خلصت إلى ما يلي:

- الدكتور شحرور يكتب ويتحدث بلغة صارمة وثوقية، لا تردد فيها، ولا تقبل احتمالا ولا تأويلاً. إنه يتحدث بلغة المعصومين من الخطأ في التفكير والتفسير، فالحق هو ما اكتشفه "هو" بناء على تحليله اللغوي "الضعيف" وقراءته "التأويلية" "الانتخابية" "الذاتية" "الذوقية" للنصوص القرآنية الكريمة. إنه يكتب ويتحدث بلغة من كشف عنه حجاب الحقيقة، فبات مالكاً للحقيقة المطلقة، دون إبراز الأدلة الكافية، مما يجعله "دوغمائياً بامتياز" (هذا حكم من الدكتور شحرور على نفسه، فأنا مجرد مرآة عاكسة).  

- لم أر باحثاً اتسم بـ "الغرور البحثي" كما اتسم به الدكتور شحرور، كيف لا وهو ينسف كل الأدبيات السابقة حول النصوص الدينية، والتي يفترض أنها تمثل- على الأقل – قراءات تأويلية محتملة، بما فيها قراءات نبي الإسلام ذاته، صلى الله عليه وسلم. نعم، فالدكتور  شحرور يرفض فرضية أن يكون  هذا النبي قد مارس عملية التأويل للنص القرآني، بل يرفض مشروعية ممارسته أصلاً لهذا الدور، لئلا يتجمد النص الديني، فلا يصلح من ثم لكل زمان ومكان (كما يقول شحرور في كتابه السابق: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤول القرآن، وإن القرآن كان أمانةً تلقاها وأداها للناس دون تأويل، وإنما أعطاهم مفاتيح عامة للفهم). ومع هذا القدر الباذخ من الغطرسة، يمارس الدكتور شحرور خطفاً للنص القرآني، فلا يدع أحداً غيره يمارس تأويلاً له ولا تفسيراً (هنا نتذكر الجماعات الدينية المتطرفة المحتكرة لتفسير النص الديني، ويا للمفارقة المقاربة!). دعوكم من جلباب التواضع الذي يتكلف ارتداءه  في بداية بعض حلقاته المتلفزة. كيف لا يمارس مثل هذا الخطف المتعجرف للنص الديني، وهو يقوّض كل الاجتهادات والتفسيرات السابقة، بما فيها تلك التي ثبتت عن نبي الإسلام ذاته، صلى الله عليه وسلم. تاريخ العلم والفلسفة لا يحترم من يتوهم بأنه "البلدوزر" القادر على كشط نِتاج مَن قبله، فلا يخلده في سجلاته الذهبية، ليبقى دوماً على هوامش الهوامش!

- من المسلّم به أن نسف الأدبيات السابقة في اي عمل بحثي هو تنكب لأي منهجية علمية "محترمة" في أي حقل من الحقول العلمية والفلسفية. ربما لم يحدث عبر التاريخ مثل هذا التجاهل التام للاجتهادات السابقة، إلا على يد هذا الباحث غير المسبوق. ولهذا، نجد الدكتور شحرور لا  يتردد في حسم أكبر القضايا الدينية بمثل هذه القراءات "المجتزأة" "الانتقائية" "الضعيفة"، بما فيها إعادة النظر في الأركان الدينية الكبار المجمع عليها في الدين الإسلامي، إذ أنه قد أخرج – مثلاً – الصيام من أركان الإسلام ليعيد وضعه في "أركان الإيمان" وفق "توصيفه الذوقي الجديد" لأركان الإيمان والإسلام (مقرراً بكل جسارة أنه لا يجب صوم رمضان، إذ يكفي "دفع فدية"، أي دفع بعض الأموال للفقراء).

العلماء والمفكرون والفلاسفة العظام لا يتحدثون بهذه اللغة الصارمة اليقينية. لا أحد يتحدث بها، إلا الأنبياء فقط، لنزول الوحي عليهم. ومن هنا فإنني أرى بأنه لا يمكن القراءة أو الاستماع للدكتور محمد شحرور إلا بوصفه "نبياً جديداً" لـ "إسلام جديد"، هو يصنعه وفق ما "يراه" و ما "يختاره" وما "يتذوقه" وما "يشتهيه"، فهل يقبل الناس هذا "الدين الشحروري العصري"؟  

(ملاحظة ختامية بين قوسين: هذا رد بـ "المجمل المنهجي"، ليس لأنه الأكثر اختصاراً فقط، وإنما لأنه – وهو الأهم - الأنسب لطروحات الدكتور شحرور، فالأثاث المعطوب يُرد كاملاً على صاحبه، دونما حاجة لتبرير رد كل قطعة منه !)


Beraidi2@yahoo.com


التعليقات (1)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق

بواسطة إبراهيم العمر:

بوركت أستاذنا القدير.
من يكن بضاعته ووسيلته الجرأة على المسلمات فزكاة علم الفتى تقييمه وتقويمه. اختزال علوم الشريعة وعلوم القرآن خاصة بالجذر اللغوي لتفسير القرآن توافقياً مع القيم العلمانية المعاصرة وتمكينه إعلاميا يفرض على المثقفين الجهابذة مثلك أبا عبدالرحمن على الذب عن الحق والكتاب الحق. دمت موفقا.


أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: