الإسلام السياسي في عصر العولمة والدولة الحديثة

 

أ.د. عبدالله البريدي

أستاذ الإدارة والسلوك التنظيمي – قسم إدارة الأعمال- جامعة القصيم

 

 

 

مدخل:

 

يعد "الإسلام السياسي" واحداً من أكثر الموضوعات التي تأثرت بـ "تحيز المع" و "تحيز الضد"، ومن ثم فإن كثيراً من أدبياته "ملغّمة" بطريقة أو بأخرى، مما يجعلها غير صالحة للاستهلاك البحثي، فتحيز المع يتجه إلى نوع من "ملكنة الأنا" و"شيطنة الآخر"، أما تحيز الضد فيمارس العكس تماماً، ويتنافس نسقا التحيز ويتسابقان لتحريك ما يمتلكانه من تروس ثقافية وإعلامية وقانونية وربما أمنية، لتشويه سمعة الآخر والتشكيك في نواياه وإمكانياته. ولهذا التحيز تجليات عديدة، ومن أظهرها ما يتعلق بتعريف "الإسلام السياسي"، فهذان التحيزان يدوران حول ثلاث كلمات للتعريف به، وهي: إسلام، وسياسة، واستخدام. والفارق بينهما يكمن في ترتيب هذه الكلمات في التعريف، فتحيز الضد يرتبها بطريقة تظهر البعد الاستغلالي البشع للدين وصولاً لأهداف سياسية (=الشيطنة)، حيث يرى بأنه "استخدام الإسلام للسياسة"، في حين يذهب تحيز المع إلى القول بأنه "استخدام السياسة للإسلام"، في سلوك يجنح إلى إظهار البعد المثالي الطهوري (=الملكنة). هذه نقطة منهجية بامتياز، وأنا أعلن نفسي خارج نطاق هذين التحيزين، لأنني لست "كائناً سياسياً"، مما يجعلني قادراً على الزعم بأنني امتلك قدرة جيدة على تناول الموضوع من زاوية بحثية صرفة.

وثمة نقطة منهجية، جديرة هي الأخرى بأن نقذف بها إلى الواجهة، لتكون قبالة التحليل العلمي، خاصة أن لها علائق وشيجة مع أختها السابقة. وهذه النقطة لم أر تركيزاً عليها في الأدبيات - بحسب ما وقفت عليه - ، وهي متعلقة بالتمييز بين "الإسلام السياسي" من جهة الحكم، إذ ثمة "إسلام سياسي حاكم" وهنالك "إسلام سياسي معارض"، وكلاهما يقتات على الإسلام بطريقة أو بأخرى، وهنالك حزمة من القواسم المشتركة وغير المشتركة بينهما، وليس هذا محل تفصيلها، وأقطع بأننا ندرك جملة من الانعكاسات لتواجد هذين الفصيلين في المشهد السياسي العربي، ومن ذلك ما يتعلق ببعض قوالب الاحتراب الفكري والسياسي بين هذين الفصيلين، وتعظم المفارقة حين يتبنى "الإسلام السياسي الحاكم" أطاريح تنسف مبدأ الإسلام السياسي نفسه، على الرغم من تأسس مشروعيته عليه.

وتجدر الإشارة إلى أنني في هذه الورقة أضرب الصفح عن الطروحات السياسية الإقصائية أو الفكرية المؤدلجة وأشتغل على الطروحات البحثية الفكرية، فهي وحدها الجديرة بالنقاش والتباحث، أما غيرها فمجرد احتراب حركي سياسي، يكدّس الغلة في جيوب البعض، ولا شأن لي بمثل هذا الاحتراب، فهو خارج نطاق محراب البحث العلمي. ولا يعني هذا، عدم إدخال هذا الاحتراب وما يغذيه من عوامل ومقومات وما يقود إليه من نتائج وانعكاسات في معالجتنا البحثية، كلا ، فهو ركن في  فهم الظاهرة وتعقيداتها وتجلياتها وآثارها القريبة والبعيدة، ولكني أقصد أن هذا اللون من العراك، لا يستحق أن يناقش بوصفه مقولات أو طروحات فلسفية أو فكرية. ومعالجتي البحثية المتواضعة هذه تمارس نقداً شفيفاً للحراك الإسلامي السياسي، دون أن تعطي حكماً قيمياً، لا إيجابياً ولا سلبياً، وهي في الوقت ذاته لا تمارس سحقاً وجودياً للتيارات الإسلامية، كما يفعل بعض الساسة والمؤدلجين، فأنا في عداد من يؤمن بأن هذا الحراك هو ضمن الخارطة السياسية، شاء البعض أم أبى، وأن الأفضل للجميع هو الاعتراف بهذه الحقيقة والتسليم بها، مع الاستمرار في العمل النقدي الصارم الذي يلامس كافة التيارات في المشهد السياسي، فالغاية المتوخاة هي تحسين الأداء السياسي العربي، بما يرسخ للنهج الديموقراطي الحقيقي وتحقيق العدالة والكرامة والحرية لكافة الشعوب العربية، مع إيماني الذي لا ينفد بالإصلاح التدريجي والنضال السلمي وتجنب ما أمكن أي حراك شعبي أو ثوري، فتكلفته باهظة على الجميع.

 

 

المصدر: ورقة بحثية ألقيت في مهرجان الجنادرية، الرياض: الدورة 28، أبريل 2013.


التعليقات (0)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق
لم يتم إضافة تعليقات بعد، كّن اول من يعلق على هذا المحتوى عن طريق النموذج بالأسفل.

أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: