اللغة كائن يعيش ضمن كائنات أخرى مجانسة ومباينة، ويلحقها في ذلك ما يلحق سائر الكائنات من: عنت الحياة، ومشقة النمو، وآفات الإتلاف أو الإضعاف أو حتى الإفناء. ولئن كان الوجود اللغوي له أسراره وأسبابه وأبوابه في منظومة مستغلقة، فإن على اللغات التي تنشد خلوداً أن تنفذ بطريقة ما إلى هاته المنظومة، سواء أكان ذلك بالعتاد الجواني للغة ذاتها، أم بالعتاد البراني لأهلها ومستخدميها، أم بهما معاً. ونشدان الخلود اللغوي يتأكد للغة العربية بوصفها اللسان المعبِّر المئوِّل للدين الخالد، كما في قوله تعالى: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر: 9). على أننا نبادر مع هذا بالقول بأنه ليس صحيحاً البتة الزعم بأن القرآن الكريم سيحفظُ في شكل آلي اللغةَ العربية، فاللغات لا تُحفظ بمجرد وجود كتاب مقدس يؤمن به المجتمع، وإنما تُحفظ بفاعلية المجتمع المتكلم بها وحمايتها بكافة الأدوات والطرائق الممكنة، بما في ذلك رفع منسوب "الأنفة اللغوية". ما سيحفظه القرآن الكريم لنا هو فقط جزء من اللغة العربية يكفي لفهم القرآن والدين والتعبد لله بموجبه، وهذا هو مقتضى الوعد الإلهي في الآية الكريمة السابقة. ومعنى ذلك أننا إزاء جزء - لا يستهان به - من اللغة يحتاج إلى جهود بشرية مجتمعية كي يحفظ وينمّى. وهذا يعني أن محيط اللغة العربية أوسع بكثير من المحيط اللغوي للقرآن


معلومات الكتاب: عبدالله البريدي (محرر)، اللغة لا تحمي ذاتها ، مركز الملك عبدالله الدولي لخدمة اللغة الغربية ، 2019

التعليقات (0)

تنويه: التعليقات الواردة بالموقع تمثل وجهة نظر كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل الموقع أدني مسئولية عن محتوى التعليق
لم يتم إضافة تعليقات بعد، كّن اول من يعلق على هذا المحتوى عن طريق النموذج بالأسفل.

أرسل تعليق جديد

إسمك*:
بريدك الالكتروني*:
لإستخدام الادارة فقط، لن يتم عرضه على الموقع
التعليق*: